مقالات


السبت - 21 أغسطس 2021 - الساعة 03:46 ص

الكاتب: د. نادر سعد حلبوب العُمَري - ارشيف الكاتب


في هذه البلاد هامات كبيرة من أهل العلم والفضل والخبرة ما زالوا على قيد الحياة، لم ينضب مَعينهم، ولا توقَّف عطاؤهم الدفّاق، أثْرَوا المكتبة العربية بإنتاجهم الثَّري، وأناروا دروب الأجيال بما سال به مداد أقلامهم من علم وحكمة وفكر نيِّر وثمرة تحصيل طويل وبحث دؤوب في مسالك المعرفة العميقة والمتشعبة.

ومن هؤلاء العلماء الأعلام الذين تخرّج على أيديهم جيل من الباحثين، ورفدوا المكتبة التاريخية العربية بإنتاجهم العلمي تأليفًا وتحقيقًا، الدكتور أحمد صالح رابِضة، المؤرخ والمحقق والجغرافي، وأستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية وتحقيق التراث بكليتي التربية والآداب في جامعة عَدَن، ومدير عام مركز الدراسات والبحوث اليمني فرع عدن (سابقًا).

وهو من مشايخ المؤرخين في هذه البلاد... رجل وقور مهاب، عليه سِيْما أهل العلم، ورزانة أهل الحكمة، قطع من مسيرة الحياة سبعين سنة كاملة، وما زال -رغم متاعبه الصحية-متوقد النشاط، حاضر الذهن، مستمرًّا في عطائه العلمي، حفظه الله وبارك فيه ومتعه بالصحة والعافية.

وكان لي في هذه الليلة شرف زيارته إلى بيته في مدينة عدن (كريتر) مع رفقة قلَّ أن يجود الزمان بمثلهم من أهل العلم ورجال الفكر، من إدارة مركز عدن للدراسات والبحوث التاريخية والنشر، يتقدمنا الشيخ محمد سالم بن علي جابر (رئيس مجلس إدارة المركز)، والدكتور محمود علي محسن السالمي (رئيس المركز، وأستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عدن)، والدكتور طه حسين عوض هُدَيْل (رئيس قسم المجلات والدوريات بالمركز، وأستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة عدن، ورئيس قسم التاريخ بكلية التربية، عدن).

وكان اللقاء روضة غنّاء، وطاف بنا مضيفنا (حفظه الله) في مجلسه الطيّب بين حديث الذكريات، وهموم العلم والتعليم ومستقبل الأجيال الجديدة، وبين معالم عدن التاريخية التي قدّم فيها عدة دراسات قيّمة، وما تتعرض له هذه المعالم من تجريف وطمس دون حسيب ولا رقيب، ولم ينسَ -وهو الوفي لأصدقائه الراحلين-أن يطيّب المجلس بذكر صديقه المؤرخ البحري والجغرافي والمحقق الراحل الأستاذ حسن صالح شهاب (رحمه الله وطيّب ثراه) الذي كان مديرًا لمركز الدراسات والبحوث اليمني فرع عدن، وكان الدكتور رابضة نائبًا له، قبل أن يتولى بعده إدارة المركز، وكان مما اقترحه عقد ندوة تتناول جهود الأستاذ حسن شهاب ودوره العلمي، وتكرّم مشكورًا بإهدائنا بعض مؤلفاته الأخيرة التي طُبعت مؤخرًا، قبل أن نتعشى عشاءً عدنيًّا أصرّ على أن يكرمنا به، ونودعه إلى لقاءات قادمة في مضمار العلم والبحث العلمي بإذن الله.

ولا أستطيع وصف الحلاوة التي ملأت كل خلية من جسدي وكل خلجة في نفسي طوال هذه الجلسة بين يدي شيخنا الفاضل د. رابضة، وكم أتمنى أن تتاح الفرصة لهذا العالِم العَلَم ولأمثاله ليدلوا بدلوهم في توجيه الجيل الجديد وبناء منظومة المعرفة، بل أتمنى أن يسمع هؤلاء الأعلام من يقول لهم (شكرًا) قبل رحيلهم عن الدنيا (حفظهم الله)، فمن القساوة أن يتركوا لوحدهم بعيدًا عن الأضواء، وكأنهم لم يسهموا في البناء الحقيقي للوطن عبر بناء الإنسان وصناعة المعرفة، فهل ستبادر جامعة عدن، أو وزارة الثقافة، أو مركز الدراسات والبحوث اليمني، أو غيرها من المؤسسات العلمية لتكريم هذا العالم المؤرخ الجليل وأمثاله؟ ومتى؟